في أشهري السابقة غرقت في البحث عن جواب سؤال: إلى أيّ مدى سيدخل الذكاء الاصطناعي في الخدمات القانونية؟
فجُلت طويلًا في كثير مما كُتب في هذا الشأن، وتمّمت بجولات تجريب حقيقيّ للذكاء في أعمالي القانونية.
فكان الجواب: كل شيء.
نعم كل شي، حتى ما يُقال من كون الذكاء لن يشارك في أعمال التفاوض والرؤى الاستراتيجية والمرافعة ونحوها، فغير دقيق، إذ أن الذكاء سيشارك في صناعة القواعد التي تنطلق منها هذه الأعمال أيضًا.
لو بحثتَ عن أكثر سؤال طرحه القانونيّون في هذه المرحلة على محركات بحثهم؛ ستجده "هل سيؤثر الذكاء على وظيفتي؟"
كثيرون ممن يشاركون في صناعة الذكاء الاصطناعي يجيبون عن هذا بأنه لن يؤثر، وإنما الذكاء مجرد مساعد ومطوّر لعملك.
أعتقد جازمًا أن هذا محض هراء، منبعه: عدم الرغبة باستعداء الناس في أرزاقهم، وإلا في هم قرارة أنفسهم يعتقدون غير ذلك.
أُريحك من هذا الشك؟ نعم سيؤثر على مستقبلك الوظيفي، ووفقًا للمعطيات الحالية أستطيع أن أحلف لك على ذلك.
لكن السؤال الجدير بك بحث جوابه، هل سيؤثر على مستقبلك الوظيفي سلبًا أو إيجابًا؟
جوابه مرهون بمدى قدرتك على التكيف وتخليك عن قوانينك الكلاسيكية في العمل، ومهارتك بأن تكون أحد فرسان العالَم الجديد عوضًا عن كونك من قتلاه.
تضمّن تقريرٌ أعدّته شركة Everlaw وهي شركة تقنيات قانونية (لذا لديّ تحفظ على حيادية النتائج) شمل آراء ٣٠٠ قانوني من إدارات قانونية لشركات تجارية ما ناتجه:
أن ٥٤٪ من تلك الشركات قللت اعتمادها فعليًا على مكاتب المحاماة، و ٤٤٪ يخططون للقيام بذلك خلال عام.
وأن ٩٢٪ من تلك الشركات حصلت على تخفيضات مالية على فواتير أعمال مكاتب المحاماة.
- ٥٤٪قللت اعتمادها فعليًا على مكاتب المحاماة
- ٤٤٪يخططون للقيام بذلك خلال عام
- ٩٢٪حصلت على تخفيضات مالية على فواتير أعمال مكاتب المحاماة
لديّ تحفظ على حيادية النتائج
أتعي ما يعنيه الحصول على تخفيضات مالية؟
هذه الحقيقة وإن كانت بشعة -بالنسبة لمن قضى سنوات شبابه يؤهّل نفسه للحصول على عمل قانوني مرموق- إلا أن استيعابك لها مبكرًا يعطيك أفضلية على من يتجاهلها خشيةً من خدش طمأنينته، بعض القلق أحيانًا ضروري لتكوين وعيٍ أعمق.
إذن، ما شكل القانوني الذي سيحتاجه عالَم الأعمال أكثر؟
أن يكون استراتيجيًا.
لا أظن المفاضلة -في سوق الخدمات القانونية- مستقبلًا ستكون في صفّ المتبحر في قانونٍ ما، المفني عمره في التضلّع فيه وتتبع شروحه وشواهده وشوارده، إنما ستكون لمن يمتلك عقلية شمولية استراتيجية منطلقةً من تأصيل قانوني مستوعبةً لاحتياجات سوق الأعمال.
نعم ستظل ثمة حاجة لوجود عدد من المتخصصين المتعمقين في فروع القانون ليكونوا مراجع فيه، لكني قصدتُ الصورةَ الأكبر.
لأنّ مدى قوّة التقنية في المعرفة مذهلة مدهشة، وليتني أعرف وصفًا أكبر من هذين الوصفين، فسباق العقل البشري معها محكوم بالخسارة قبل أن يبدأ، لكنها ستخسر هي في سباقها مع الإنسان في مجال الرؤى الشمولية الاستراتيجية المتكونة أجزاؤها من الواقع غير المترابط في ذهن التقنية.
في ذات تقرير Everlaw المذكور أعلاه، ذكر ٥٤٪ من المشاركين أنهم سيواصلون الاعتماد على مكاتب المحاماة للحصول على رؤى تجاريّة وفهم أعمق للأعمال، وذكر ٤٨٪ منهم أنهم سيواصلون الاعتماد كذلك للحصول على الأحكام الاستراتيجية القانونية.
- ٥٤٪للحصول على رؤى تجاريّة وفهم أعمق للأعمال
- ٤٨٪للحصول على الأحكام الاستراتيجية القانونية
لا يقصد هذا الطرح الاستشرافي التوقف عن التعلم القانوني، إنما مقصده أن الأجدر بمن امتلك التأصيل القانوني أن يكمله بفهم سوق الأعمال ويتعلم أدوات التفكير الاستراتيجي وأن يكون أشمل من مجرد مستودع للمواد القانونية
.. وأن يعيد تشكيل ذاته المهنية وفقًا لتصميم العالَم الجديد.

